الفصل 15 — مَلّاح سلا

إن مَلّاح سلا نموذجيٌّ من أكثر من جانب. فقد كان هذا المكان موطنًا لسلالة مهمة من القضاة الحاخاميين (dayanim)، جميعهم من نسلٍ واحد، هو نسل الأنقاوة. وتعود هذه السلالة، التي أصلها من إسبانيا، إلى القرن الرابع عشر، بل وإلى ما قبل ذلك بحسب شجرة العائلة التي تظهر على موقع encaoua.org. وقد جال ممثلو هذه السلالة شمال أفريقيا كلها، من الجزائر إلى المغرب، وكانت لهم اتصالات عديدة حول حوض البحر المتوسط.

15.1 مَلّاح نموذجي من أكثر من جانب

إن مَلّاح سلا نموذجيٌّ من أكثر من جانب. فأولًا، كان هذا المكان موطنًا لسلالة مهمة من القضاة الحاخاميين (dayanim)، جميعهم من نسلٍ واحد، هو نسل الأنقاوة. مارسوا نفوذًا عظيمًا على إخوانهم في يهودية المغرب، وعلى نطاق أوسع على جميع أبناء اليهودية السفاردية. وثانيًا، بفضل الاعتراف بالقيمة الروحية التي لم يكفّ ممثلو هذه السلالة عن تجسيدها، وبفضل الاحترام تجاه الدين الإسلامي الذي لم يكفّوا عن إظهاره، كان مَلّاح سلا مسرحًا لتفاهمٍ، يمكن وصفه بالمنسجم، بين اليهود والمسلمين. فلم يقتصر الأمر على أن وجهاء الديانتين كانوا يلتقون كثيرًا في سلا، بل إن السكان المسلمين واليهود المحليين كانوا يحترم بعضهم بعضًا احترامًا عميقًا قبل قيام الحماية الفرنسية سنة 1912. وثالثًا، يتميّز مَلّاح سلا بأنه كان المكان الذي أزهر فيه أدبٌ يهودي غزير، متنوع الطبيعة — لاهوتي وليتورجي وقانوني وشعري — لا تزال قيمته معترفًا بها على نطاق واسع حتى اليوم.

15.2 أصل كلمة «مَلّاح»

في القرن الرابع عشر، بُني أول حي يهودي في فاس، منفصلًا عن بقية السكان. أُقيم هذا الحي على سوقٍ سابق للملح، وهو منتج يُسمى «مِلّاح» بالعربية. وهذا على الأرجح أصل كلمة مَلّاح المستعملة للدلالة على الأحياء اليهودية في المغرب. ولماذا كان على اليهود أن يقيموا في مكان محدد بالنسبة لمواطنيهم العرب؟ لا يزال السؤال محل نقاش حتى اليوم. يزعم بعضهم أن الحكام المسلمين أقاموا مكان إقامة متمايزًا لليهود تلبيةً لمطلب السكان المسلمين الذين ضاقوا ذرعًا بالعيش مع غير المسلمين. ووفقًا لهذا التفسير، يعكس المَلّاح بُعدًا تمييزيًا. وتقدّم تفسيرات أخرى حجة أن المَلّاح كان ذا غاية حمائية، يخدم بوصفه ملجأً للسكان اليهود من أجل حمايتهم من اعتداءات محتملة.

15.3 تخصيص الإقامة وحرية المهنة

مهما يكن تفسير تخصيص الإقامة هذا لليهود في مدن المغرب، فمن المهم ملاحظة أن التخصيص اقتصر على مكان السكن فقط، لا على مكان ممارسة العلاقات المهنية. فقد كان بإمكان اليهود مزاولة مهنهم خارج المَلّاح. ولعلّ في هذا الاقتران المزدوج — تخصيص الإقامة وحرية التنقل المهني — تكمن خصوصيات الحياة اليهودية في المغرب، قبل قيام الحماية الفرنسية سنة 1912. غير أنه تجدر الإشارة إلى أن بعض اليهود، أولئك الذين لم يقبلوا العيش في أماكن منفصلة عن بقية السكان، فضّلوا التحوّل إلى الدين الإسلامي. ويُعثَر على آثار ذلك في كون أحفادهم تميّزوا بلكنتهم وبأسماء عائلاتهم ذات الأصل اليهودي.

15.4 المَلّاح الجديد لسلا

بعد أكثر من قرن على إنشاء مَلّاح سلا سنة 1807، بُني مَلّاح جديد بعد مدة من قيام الحماية الفرنسية سنة 1912. كان يقع داخل أسوار سلا، وبلغت مساحته 4 هكتارات، بكثافة قدرها 375 ساكنًا في الهكتار، أعلى قليلًا من نظيرتها في مدائن المغرب. ويظهر مخطط مَلّاح سلا في المؤلَّف العبري ليوسي النّقاوة، סאלי וחכמיה (سلا وعلماؤها). ويمكن ملاحظة أن من بين أسماء شوارع المَلّاح يرد شارع الحاخام رفائيل أنقاوة، حيث سكن الحاخام، وكذلك من بعده جدّ المؤلِّف لأبيه، عمرام أنقاوة، مع زوجته حنّة، المولودة صبّاح، شقيقة الجدّ لأمّه أبراهام صبّاح.

15.5 سلالة قضاة الأنقاوة في سلا

يمكن البدء بموشيه أنقاوة (1758–1820)، الذي كان قاضيًا (Dayan) في الجزائر العاصمة أولًا ثم في سلا. ومن بعده، كان ابنه مردخاي أنقاوة (1779–1840) قاضيًا أيضًا في سلا. وكان له ثلاثة أبناء: عمرام أنقاوة (1804–1874)، الذي كان قاضيًا في جبل طارق؛ وأبراهام أنقاوة (1812–1890)، الذي كان قاضيًا في سلا ثم في معسكر بالجزائر؛ ومسعود النّقاوة (1814–1900)، الذي عاش في فلسطين. أما الابن الأول، عمرام أنقاوة (1804–1874)، فكان له هو نفسه ابنان: مردخاي أنقاوة (1827–1890)، الذي كان بدوره قاضيًا في سلا — وهو والد رفائيل أنقاوة الشهير (1848–1935) — ومسعود أنقاوة (1826–1886)، الذي كان قاضيًا في سلا، وهو ليس سوى الجدّ الأكبر للمؤلِّف لأبيه، الذي يصادف أيضًا أنه عمّ رفائيل أنقاوة.

Le Grand Livre des Encaoua →