الفصل 22 — الإسهامات الوثائقية الجوهرية

يأتي «المخطوط المقدّس» بتفاصيل جوهرية — كثيرًا ما تكون غير منشورة — عن عدّة شخصيات من سلالة أنقاوة، وعن السياق التاريخي لاضطهادات سنة 1391، وعن الذاكرة الشعبية التي تحيط بحاخام تلمسان إلى يومنا هذا.

عن إسرائيل أنقاوة: شهادة 6 يونيو 1391

يذكر نيبو أن إسرائيل أنقاوة أُحرق حيًّا في 6 يونيو 1391، في كنيس إسيخا (قرب إشبيلية)، بينما كان يصلّي. ويقدّمه المؤلِّف بوصفه أوّل شهداء المذابح الرهيبة لسنة 1391. ويُروى أن السبب المباشر لاستشهاده كان وثيق الصلة بعمله: فقد كان قد أتمّ لتوّه تأليف «مَنوراة هَمئور» (Menorat ha-Maor، شمعدان النور)، وهو كتاب يهدف إلى جعل التوراة في متناول الجميع — وهو ما شكّل، في أعين مُضطهديه، تخريبًا خطيرًا. وتروي التقاليد أنه هلك على المحرقة وهو يمسك بسِفر توراة بيده. وتعطي «الموسوعة اليهودية» (Encyclopedia Judaica) روايةً مختلفة قليلًا: فأثناء الهجوم على الجالية اليهودية في طليطلة، يُروى أنه تعرّض لاعتداء وحشي وسُحِل في الشارع. وتشهد الروايتان كلتاهما على الوحشية البالغة لتلك الأحداث.

عن «شَعَر كَفود هَشِم»: ملحمة المخطوط

يعيد نيبو، بدقّة، تتبُّع التاريخ غير العادي للمخطوط الرئيسي لإفرايم أنقاوة، من تأليفه في القرن الخامس عشر بتلمسان إلى حفظه في مكتبة البودليان (Bodleian Library) في أكسفورد. ويروي الرحلة اللافتة لصموئيل سلطان، المكلَّف من قِبل الحاخام حاييم بلياح (1832-1919) من تلمسان، الذي سافر إلى أكسفورد في أواخر القرن التاسع عشر. وقد سُمح له بنسخ المخطوط لا بإعادته. وأتاحت هذه النُّسخ، في سنة 1902، أن تُنشر في تونس طبعةٌ مشروحة، مُوسَّعة بمقدّمة وتعليق بعنوان «بِتَح هَشَحَر» (Petah ha Chahar، فتح الرواق). ومن خلال هذا العمل، يظهر الحاخام إفرايم أنقاوة فيلسوفًا يدافع عن الأطروحات العقلانية لموسى بن ميمون في وجه التقليد الصوفي الذي يمثّله نَحمانيدِس — حاملًا فكرةَ أن الفكر التوراتي والفكر العقلاني ليسا متوافقين فحسب، بل إن اقترانهما يسهم في إثراء المعنى العميق للتوراة.

عن سياق مذابح سنة 1391

يفصّل الكتاب بدقّة مدهشة الخطب المفعمة بالكراهية لرئيس الشمامسة فيران مارتينيز من إسيخا، الذي دعا منذ سنة 1388 صراحةً إلى تدمير الكُنُس. ويعيد تتبُّع مجريات اضطرابات يونيو 1391 في مدن الأندلس وقشتالة: ففي ثلاثة أشهر، هلك أكثر من 4000 يهودي، وأُكرِه عشرات الآلاف على التنصُّر — وهي تنصُّرات غذّت لاحقًا محارق محاكم التفتيش. ويُبيّن نيبو كيف تندرج هذه الأحداث في سلسلة متصلة من العنف ستؤدّي حتمًا إلى مرسوم الطرد في 31 يوليو 1492. وفي سياق الرعب هذا فرّ سلالة إسرائيل أنقاوة من إسبانيا الكاثوليكية نحو أراضٍ أكثر ضيافة.

أسطورة الأسد: بين الخرافة والواقع

من أكثر إسهامات نيبو إثارةً للاهتمام تحليلُه لأسطورة الأسد، التي بحسبها يُروى أن الحاخام إفرايم أنقاوة امتطى وحشًا ضاريًا ليدخل تلمسان منتصرًا. ويقدّم نيبو تفسيرًا عقلانيًّا لا يُنقص بأيّ حال من الدلالة الرمزية للحكاية: فالأسد يرمز إلى سلطان تلمسان، الذي توسّل إلى إفرايم، بصفته طبيبًا تكوَّن في جامعة بالنثية، أن يُنقذ ابنته المريضة. فعالج إفرايم الطفلة بأدوية مُستخلَصة من سُمّ الأفاعي، وهي ممارسة علاجية كلاسيكية في ذلك الزمن. فشُفِيت الصغيرة وعاد الحاخام منتصرًا. ونال مكافأةً امتيازين حاسمين: إذنًا لليهود بالإقامة في وسط المدينة (الحيّ المعروف بـ«المرجة») وترخيصًا للعائلات اليهودية من إسبانيا وجزر البليار بأن تأتي وتستقرّ في تلمسان.

ذاكرة الحاخام: الحجّ والنبع والمعجزات

ينقل نيبو شهاداتٍ حيّةً ومؤثّرة عن التبجيل الشعبي المحيط بضريح الحاخام، لدى يهود منطقة تلمسان ومسلميها على السواء. فمنذ وفاته سنة 1442 وحتى سنة 2005، كان قبره مكانَ حجٍّ يقصده المؤمنون من جميع الأديان طلبًا للشفاء والبركة. ويذكر نيبو شهاداتٍ عدّة عن شفاءات معجزة نُسبت إلى الحاخام، ومنها شفاء طفل مشلول يُقال إنه استعاد القدرة على استعمال ساقيه أمام نبع الحاخام، إذ سمع صوتًا يقول: «قُم وامشِ!». وتُسجّل وصيّة الحاخام إرثين نبويّين: «أترك لكم نبعين: نبع الماء ليُقوّي أجسادكم، ونبع التوراة الذي يرمز إلى الحياة الأبدية.» وثمّة كنيس مُكرَّس له في القدس؛ وما زال أحد الشوارع يحمل اسمه في تلمسان.

Le Grand Livre des Encaoua →